فهد الفهد's Reviews > حبيبتي لا ترحلي
حبيبتي لا ترحلي
by
by
حبيبتي لا ترحلي
سأعترف بخجل أنني كائن غير شعري، لا اقرأ الشعر، لا تحتوي مكتبتي دواوينه، هذا لا يعني أنني خلي منه تماما ً، لا... فالأبيات العبقرية تطربني عندما اقرأها، ولكن هذا كل شيء، لم أتناول يوما ً من الأيام ديوانا ً لشاعر لأقرأ فيه ولأتأمل، تعاملي مع الشعر مثل تعاملي مع الأخبار، تصلني ولا أبحث عنها.
أما لماذا؟ فلدي تفسيراتي لهذا؟ أولا ً لأني بدأت قراءاتي متخفيا ً، عندما كنت طفلا ً كانت القراءة ممارسة غريبة، مضحكة نوعا ً ما لمن حولي، الأهل كانوا يرون أنك تفسد عينيك الثمينتين، الأطفال الآخرون كانوا يرون أنك بهذا مختلف، وللاختلاف ثمنه في عالم الأطفال.
على أي حال، عندما تمارس نشاطا ً متخفيا ً - وقد لاحظت هذا في كثير من الأنشطة التي مارستها في حياتي تحت الأستار، أي طفل خجول كنت !! – فإنك تتعامل معه بطريقة مختلفة، فكتبي مثلا ً كانت في الأدراج مستورة لا في الرفوف، كانت بحجم الجيب، بحيث يسهل نقلها وإخفائها، اقرأها في الفراش، وأخبئها تحت الوسادة عند النوم، وكانت روايات فقط، كنت أعمل بمنطق اللصوص، أشتري ما خف وزنه وغلا ثمنه، فلذا لم أكن أرغب في إنفاق مالي ووقتي إلا على قصة طويلة، لا أريد شعرا ً، لا أريد قصصا ً قصيرة، أريد فقط قصة، بطلا ً، أحداثا ً، كل التفاصيل التي تمنح الرواية مذاقها الخاص.
من الأسباب الأخرى التي أرى أنها دفعتني لذلك، العقلانية الصارمة، الميل إلى تحليل وتفكيك الأشياء، ونحن نعرف جيدا ً أن الشعر، يحتاج إلى أن تقرأه بقلبك، بروحك، لا بعقلك، يفقد الشعر قيمته عندما نحاول عقلنته، عندما نريد منه أن يتخلى عن المبالغة، لذا كانوا يقولون أعذب الشعر أكذبه، وهي عبارة صحيحة، صيغت بطريقة خاطئة، لأن الصدق والكذب، لا يجب أن يرتبطا بالأدب، فالأدب كله قائم على أساس تواطئ مبدئي بين القارئ وكاتبه أو شاعره، كلاهما متفق على أنه لا يفترض بالقصة أو القصيدة أن تكون حقيقية، حتى ولو كانت تعتمد على أصل حقيقي، حتى ولو كانت مقتبسة من أحداث حقيقية، إن إبداع الكاتب والشاعر هو أن يشعرك بأن كل ما يقوله حقيقي، إبداعه هو أن يأخذك إلى الحافة، بحيث تشعر بأن كل ما يحدث حقيقي، بينما أنت تعرف تماما ً بأنه ليس كذلك، وأن للخيال نصيب وافر من الكتابة، ومن القصيدة.
لماذا لم تعمل العقلانية بذات المنطق مع الرواية؟ لأن الرواية تخضع للنقد العقلاني، يمكنك أن تحلل القصة، الأحداث، الشخصيات، يمكنك أن تغض بصرك عن أن القصة كلها غير حقيقية، ولكنك تنشغل بما دون ذلك، أما الشعر فلا أدري كيف يمكنني تناوله، ربما على جرعات، أبيات صغيرة ممتعة، مقتطعة من قصائد، يتجلى في هذه الأبيات جمال السبك، وحلاوة المعنى.
فلذا قراءتي الآن لدواوين فاروق جويدة، هي محاولة لوصل الود المقطوع، بل إن كنت صادقا ً مع نفسي ومعكم، أنا الآن اقرأ دواوينه كنابش قبور، أنا أفتش عن أبيات قرأتها له ذات يوم، أعجبتني كثيرا ً، وحفرت اسمه في ذهني، نسيت الأبيات تماما ً، لا أذكرها، أذكر فقط ذلكم الشعور اللذيذ، المرتبط بذكرى أحن إليها كثيرا ً، ترهق روحي، فلذا تناولت مجرفتي وبدأت أنبش الدواوين بحثا ً، وفي السطور التالية سأنقل لكم ما يقع بين يدي من أبيات:
من قصيدة (عندما ننتظر القطار):
قد قلت:
سوف أعود يوما عندما يأتي الربيع
و أتي الربيع و بعده كم جاء للدنيا.. ربيع
و الليل يمضي.. و النهار
في كل يوم أبعث الآمال في قلبي
فأنتظر القطار..
الناس عادت.. و الربيع أتى
و ذاق القلب يأس الانتظار
أترى نسيت حبيبتي؟
أم أن تذكرة القطار تمزقت
و طويت فيها.. قصتي؟
يا ليتني قبل الرحيل تركت عندك ساعتي
فلقد ذهبت حبيبتي
و نسيت.. ميعاد القطار..!
ومن قصيدة (بالرغم منا قد نضيع) والقصيدة كلها بعثت في روحي قشعريرة، هزتني بقوة ولكني أردد أبياتها الأخيرة، حيث كان الوالد يحث ابنه على أن يغسل همومه بركعتين في الحسين ولكن الابن بعد سنوات يرد قائلا ً:
أبتاه..
بالأمس عدت إلى الحسين..
صليت فيه الركعتين..
بقيت همومي مثلما كانت
صارت همومي في المدينة
لا تذوب.. بركعتين!!
ومن قصيدة (إلى مسافرة):
لو كنت أعلم أنني
سأذوب شوقا.. و ألم
لو كنت أعلم أنني
سأصير شيئا من عدم
لبقيت وحدي
أنشد الأشعار في دنيا.. بعيدة
و جعلت بيتك واحة
أرتاح فيها.. كل عام
و أتيت بيتك زائرا
كالناس يكفيني السلام..
ومن قصيدة (لو عادت الأيام):
من قال إن العمر يرجع للوراء؟!
الدهر أعطانا الكثير
المال و الأبناء والبيت.. الكبير
لكنني
ما زلت أشعر بالضياع
ما زلت يجذبني حنين
نحو صدر أو ذراع
فسفينتي الحيرى تسير بلا شراع
أمضي هنا وحدي و لا أدري المصير
أهفو ليوم أدفن الأحزان في صدري
و أمضي كالغدير
لو عادت الأيام
و رجعت يا دنياي كالطفل الصغير
ومن قصيدة (قلب شاعر):
يا رب..
ما عاد طيف الحب يحملنا
إلى همس المشاعر
فالحب أصبح سلعة
كالخبز.. كالفستان أو مثل السجائر!
أما أنا..
فقد كنت أحمل في حنايا الروح
يوما.. قلب شاعر
الحب عندي كان أجمل ما يقال
و الشعر في عمري تلاشى.. كالظلال
و غدوت مثل الناس أحمل كل شيء..الحب عندي.. و الصداقة.. و الوفاء..
كالخبز.. كالفستان كالأضياف في وقت المساء
و نسيت أني كنت يوما
أحمل الخفقات في قلب كبير
و بأن حبي كان في الأعماق
كالطفل الصغير
سأعترف بخجل أنني كائن غير شعري، لا اقرأ الشعر، لا تحتوي مكتبتي دواوينه، هذا لا يعني أنني خلي منه تماما ً، لا... فالأبيات العبقرية تطربني عندما اقرأها، ولكن هذا كل شيء، لم أتناول يوما ً من الأيام ديوانا ً لشاعر لأقرأ فيه ولأتأمل، تعاملي مع الشعر مثل تعاملي مع الأخبار، تصلني ولا أبحث عنها.
أما لماذا؟ فلدي تفسيراتي لهذا؟ أولا ً لأني بدأت قراءاتي متخفيا ً، عندما كنت طفلا ً كانت القراءة ممارسة غريبة، مضحكة نوعا ً ما لمن حولي، الأهل كانوا يرون أنك تفسد عينيك الثمينتين، الأطفال الآخرون كانوا يرون أنك بهذا مختلف، وللاختلاف ثمنه في عالم الأطفال.
على أي حال، عندما تمارس نشاطا ً متخفيا ً - وقد لاحظت هذا في كثير من الأنشطة التي مارستها في حياتي تحت الأستار، أي طفل خجول كنت !! – فإنك تتعامل معه بطريقة مختلفة، فكتبي مثلا ً كانت في الأدراج مستورة لا في الرفوف، كانت بحجم الجيب، بحيث يسهل نقلها وإخفائها، اقرأها في الفراش، وأخبئها تحت الوسادة عند النوم، وكانت روايات فقط، كنت أعمل بمنطق اللصوص، أشتري ما خف وزنه وغلا ثمنه، فلذا لم أكن أرغب في إنفاق مالي ووقتي إلا على قصة طويلة، لا أريد شعرا ً، لا أريد قصصا ً قصيرة، أريد فقط قصة، بطلا ً، أحداثا ً، كل التفاصيل التي تمنح الرواية مذاقها الخاص.
من الأسباب الأخرى التي أرى أنها دفعتني لذلك، العقلانية الصارمة، الميل إلى تحليل وتفكيك الأشياء، ونحن نعرف جيدا ً أن الشعر، يحتاج إلى أن تقرأه بقلبك، بروحك، لا بعقلك، يفقد الشعر قيمته عندما نحاول عقلنته، عندما نريد منه أن يتخلى عن المبالغة، لذا كانوا يقولون أعذب الشعر أكذبه، وهي عبارة صحيحة، صيغت بطريقة خاطئة، لأن الصدق والكذب، لا يجب أن يرتبطا بالأدب، فالأدب كله قائم على أساس تواطئ مبدئي بين القارئ وكاتبه أو شاعره، كلاهما متفق على أنه لا يفترض بالقصة أو القصيدة أن تكون حقيقية، حتى ولو كانت تعتمد على أصل حقيقي، حتى ولو كانت مقتبسة من أحداث حقيقية، إن إبداع الكاتب والشاعر هو أن يشعرك بأن كل ما يقوله حقيقي، إبداعه هو أن يأخذك إلى الحافة، بحيث تشعر بأن كل ما يحدث حقيقي، بينما أنت تعرف تماما ً بأنه ليس كذلك، وأن للخيال نصيب وافر من الكتابة، ومن القصيدة.
لماذا لم تعمل العقلانية بذات المنطق مع الرواية؟ لأن الرواية تخضع للنقد العقلاني، يمكنك أن تحلل القصة، الأحداث، الشخصيات، يمكنك أن تغض بصرك عن أن القصة كلها غير حقيقية، ولكنك تنشغل بما دون ذلك، أما الشعر فلا أدري كيف يمكنني تناوله، ربما على جرعات، أبيات صغيرة ممتعة، مقتطعة من قصائد، يتجلى في هذه الأبيات جمال السبك، وحلاوة المعنى.
فلذا قراءتي الآن لدواوين فاروق جويدة، هي محاولة لوصل الود المقطوع، بل إن كنت صادقا ً مع نفسي ومعكم، أنا الآن اقرأ دواوينه كنابش قبور، أنا أفتش عن أبيات قرأتها له ذات يوم، أعجبتني كثيرا ً، وحفرت اسمه في ذهني، نسيت الأبيات تماما ً، لا أذكرها، أذكر فقط ذلكم الشعور اللذيذ، المرتبط بذكرى أحن إليها كثيرا ً، ترهق روحي، فلذا تناولت مجرفتي وبدأت أنبش الدواوين بحثا ً، وفي السطور التالية سأنقل لكم ما يقع بين يدي من أبيات:
من قصيدة (عندما ننتظر القطار):
قد قلت:
سوف أعود يوما عندما يأتي الربيع
و أتي الربيع و بعده كم جاء للدنيا.. ربيع
و الليل يمضي.. و النهار
في كل يوم أبعث الآمال في قلبي
فأنتظر القطار..
الناس عادت.. و الربيع أتى
و ذاق القلب يأس الانتظار
أترى نسيت حبيبتي؟
أم أن تذكرة القطار تمزقت
و طويت فيها.. قصتي؟
يا ليتني قبل الرحيل تركت عندك ساعتي
فلقد ذهبت حبيبتي
و نسيت.. ميعاد القطار..!
ومن قصيدة (بالرغم منا قد نضيع) والقصيدة كلها بعثت في روحي قشعريرة، هزتني بقوة ولكني أردد أبياتها الأخيرة، حيث كان الوالد يحث ابنه على أن يغسل همومه بركعتين في الحسين ولكن الابن بعد سنوات يرد قائلا ً:
أبتاه..
بالأمس عدت إلى الحسين..
صليت فيه الركعتين..
بقيت همومي مثلما كانت
صارت همومي في المدينة
لا تذوب.. بركعتين!!
ومن قصيدة (إلى مسافرة):
لو كنت أعلم أنني
سأذوب شوقا.. و ألم
لو كنت أعلم أنني
سأصير شيئا من عدم
لبقيت وحدي
أنشد الأشعار في دنيا.. بعيدة
و جعلت بيتك واحة
أرتاح فيها.. كل عام
و أتيت بيتك زائرا
كالناس يكفيني السلام..
ومن قصيدة (لو عادت الأيام):
من قال إن العمر يرجع للوراء؟!
الدهر أعطانا الكثير
المال و الأبناء والبيت.. الكبير
لكنني
ما زلت أشعر بالضياع
ما زلت يجذبني حنين
نحو صدر أو ذراع
فسفينتي الحيرى تسير بلا شراع
أمضي هنا وحدي و لا أدري المصير
أهفو ليوم أدفن الأحزان في صدري
و أمضي كالغدير
لو عادت الأيام
و رجعت يا دنياي كالطفل الصغير
ومن قصيدة (قلب شاعر):
يا رب..
ما عاد طيف الحب يحملنا
إلى همس المشاعر
فالحب أصبح سلعة
كالخبز.. كالفستان أو مثل السجائر!
أما أنا..
فقد كنت أحمل في حنايا الروح
يوما.. قلب شاعر
الحب عندي كان أجمل ما يقال
و الشعر في عمري تلاشى.. كالظلال
و غدوت مثل الناس أحمل كل شيء..الحب عندي.. و الصداقة.. و الوفاء..
كالخبز.. كالفستان كالأضياف في وقت المساء
و نسيت أني كنت يوما
أحمل الخفقات في قلب كبير
و بأن حبي كان في الأعماق
كالطفل الصغير
Sign into Goodreads to see if any of your friends have read
حبيبتي لا ترحلي.
Sign In »
Reading Progress
December 5, 2011
–
Started Reading
December 5, 2011
– Shelved
December 14, 2011
–
Finished Reading
Comments Showing 1-8 of 8 (8 new)
date
newest »
message 1:
by
Eman
(new)
-
added it
28 oct. 2012 04:38
reply
|
flag
لا تهمل الشعر فهو يضفي على النص روحاً جميلة
هو كاللون الزاهي في لوحة قاتمة
صباحكم شاعري
تذوق الشعر يحتاج إلى بال ووقت، وأنا منهما خلي :( ، ولكني أمني نفسي يوماً ما بالتفرغ لقراءة ديوان العرب، والذي لا يمكن فهم حضارتهم من دونه
